أخبار وطنية الاعلامي الهاشمي نويرة يعلق على الرسالة الداخلية لحركة النهضة وعلى بيان مجلس الشورى، ويقول: "مَـا بالـطّــبـعِ لا يـتــغـيّـر
مَـــــا بـــالـــطّــــبــــــــعِ لا يـــتـــغــــيّـــــر
بقلم: الهاشمي نويرة
المصدر: الصحافة
كثرت هذه الأيّام الوثائق والرسائل المسرّبة، ويكاد يكون موضوعها واحدا وهو حركة «النهضة» وذلك سواء تعلّق الأمر بشؤونها الداخلية أو في ما يتّصل بعلاقاتها بمؤسسات الدولة وبالمشهدين الحزبي والسياسي.
ولن نتوقف كثيرا عند الكمّ الهائل من الوثائق والتسجيلات الذي كشفت عنه هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي والذي تأخّرت النيابة العمومية كثيرا في فتح تحقيق بشأنه أمس... وهو الآن بين أيدي القضاء.
كما أنّنا لن نستفيض بخصوص تشكيك كل من تحدث من قيادات «النهضة» في صدقيّة هذه الوثائق وما تضمنته من «حقائق» لأنّ هذا التشكيك أصبح غير ذي معنى بعد نشر كتاب «سنوات الجمر» لصاحبه د.المنصف بن سالم الذي اعترف فيه بوجود تنظيم خاصّ وسرّي للإسلاميين. وسيكشف التحقيق القضائي إذا استقرّ عَزْمُ القائمين عليه عن حقيقة ما إذا كان «للنهضة» الآن مثل هذا التنظيم أم لا وعن علاقته بالاغتيالات السياسية وأشياء أخرى.
لن نتوقف أكثر عمّا أسلفنا ذكره ولكنّنا سنتناول ما نعتبره الأصل في الشيء وهو الموقف السياسي والفكري لحركة «النهضة» والذي تخيّلنا أو لنقل توهّمنا أنّ جدلا بشأنه سيُخاض داخل هذا التنظيم الديني..
قرأنا الرسالة التي بعثت بها مجموعة من قيادات «النّهضة» الى شيخها راشد الغنّوشي وتصوّرنا أنّ الأمر يَحْمِلُ بشائر تنوّع داخلي في الموقف داخل «النهضة» وفي مآلات هذا التنوّع في علاقة باندماج محتمل لهذا الحزب في النسيج المدني للمجتمع التونسي..
وكنّا قدّرنا أن هذه الرسالة قد تكون عاملا حاسما في المستقبل المدني لحزب حركة «النهضة» أو هي في اسوإ الحالات ستمثل نواة لمشروع حزب مدني يقطع مع كلاسيكيات ومرجعيات الاسلام السّياسي..
ويبدو أنّ رَدَّةَ الفعل العقائدية والدينية كانت مِنْ جديد سيّدة الموقف داخل «النهضة»، اذ جاء في رسالة داخلية طلب القيادي النهضاوي نور الدين البحيري ـ وهو مِنَ الموقّعين على الرسالة الأولى التي وُجّهت الى راشد الغنوشي ـ طلب تعميمها على قواعد «النهضة» انّ «أعداء المشروع» (مِنْ دون توضيح لطبيعة المشروع) «يدقّون طبول الحرب (...) مع الثقة في أنّ الله سيجعل كيدهم في نَحْرِهم وسترْتَدُّ مؤامراتهم عليهم»، معتبرا أنّ تماسك الجسد «مهما تعدّدت الآراء واجب وبذل الجهد (لتكون «النهضة») كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا فرضُ عَيْن» وخَتَم مستحضرا مفردات الحرب ضدّ «الأعداء» «ألا أنّ نصر الله قريب»..
ويتبين لنا أنّه لامناص مِنَ التسليم بأنه وراء كلّ موقف يتراءى لنا أنه يحمل بصيصا مِنَ الأمل المدني، استعداد يكاد يكون «فطريّا» للرجوع الى الأصل الديني والعقيدة التي طبعت الأحزاب الاطلاقية وهي اللجوء الى انقاذ المركب مهما كانت التضحيات بالأشخاص والمواقف..
أحد «المدنيين» تراجع اذن عن «توبته» وانقاد صاغِرًا الى فِكْر الجماعة الذي قوامه البحث عن عدوّ في ديار الحرب (التي نحن مِنها) ، فاذا هي حركة «النهضة» التي هي ردِيفٌ للبلاد تتعرّض «لحملة اعلامية مكثفة وممنهجة في وسائل الاعلام المكتوبة والقنوات الاذاعية والتلفزية».
... وهكذا يشطب البحيري في جرّة قَلَمٍ محتوى متميّز لرسالة قرأنا فيها حُسْنَ النيّة وتحدثت بإطناب عن مسؤولية حركة «النهضة» وقيادتها مُجسًّمة في رئيسها راشد الغنوشي في الانحراف بالتوافق مع رئاسة الجمهورية وفي اختلال التوازن بين رَأْسي السلطة التنفيذية..
ولَمْ يَرَ البحيري غضاضة في اعلان موقف نقيض لخطاب سابق بدا لنا أنه مُبَشِّرٌ بفِكْرِ اصلاحي ومتصالح مع الطبيعة المدنية للدولة والمجتمع..
وهذا الموقف يدفعنا الى استحضار حادثة جرت ابّان حكم بن علي في بداياته لمّا بَرَزَ اسم المرحوم محمد الشرفي كوزير مستقل وصاحب فِكْر اصلاحي ما أثار حفيظة رئيسه ففرض عليه الاشراف على اجتماع شعبة في باجة وذلك حطّا مِنْ قيمته ومِنْ استقلاليته..
البحيري وآخرون مِنْ بعده آثروا سفينة النهضة على الفكر الاصلاحي الذي يضمن ديمومتها، ثم جاء اجتماع مجلس الشورى ليُثَبِّتَ الثوابت وهي مصلحة «النهضة» كحزب سلطوي أو على الأقل الجزء السلطوي داخله..
بيان شورى «النهضة» كان واضحا تماما هذه المرّة ووضُوحُه لا يقبل أي تأويل:
«النهضة» ومجلس شورتها يعتبرون أنّ مشروع رئيس الجمهورية والشراكة معه انتهى بالكامل فهو لم يَعُد له سند حزبيّ وسياسي وهم بذلك نجحوا في سَحْب كلّ الورقات الرابحة مِنْ يديه..
هُمْ جعلوه يُراهِنُ فقط على «النهضة» ورئيسها راشد الغنوشي الذي اتقن لعبة رِبْح الوقت مع الرئيس وأجَادَ توزيع الأدوار بين مواقفه المعْلَنَة ومواقف هياكل حركته التي تُبدي في الغالب تمنّعا ومعارضة لأيّ التزام جدّي مع رئيس الجمهورية.. وفي الأثناء تكفل يوسف الشاهد بالباقي وهو استكمال تهديم بناية «النداء» المهزوزة أصلا جرّاء انعدام كفاءة الساهرين عليها..وسَاهَمَ رئيس الحكومة بذلك في القضاء على «نداء تونس» كتعبيرة سياسية للرئيس ..
.. النهضة هندست لكل هذا .. والرئيس تصوّر الى وقت غير بعيد أن ورقة «النهضة» بين يديه ويمكن ان يجسم بها الأمور .. ولكن مصالح حركة النهضة كحزب سلطة تعاظمت ومطامح الشيخ كبرت ..
وجاء بيان الشورى مترجما لكل هذه المعاني وزيادة اذ تم التأكيد على «تثبيت التوافق والتشارك خيارا استراتيجيا يشمل كافة القوى الوطنية (...) مع الحفاظ على علاقة ايجابية مع رئيس الدولة»..
.. التوافق مع كل القوى الوطنية اذن .. وتم تغييب مسألة التوافق مع رئيس الجمهورية واكتفى البيان بـ«الدعوة الى الحفاظ على علاقة ايجابية» معه، وأما الشراكة فهي تستوجب ضرورة توفر شروط يتم التفاوض بشأنها مع رئيس الحكومة لاستكمالها ..
ويضيف البيان جملة في علاقة بترضية الأطراف الاجتماعية هي «.. مع الحرص على ايجاد علاقة بناءة مع اتحاد الشغل».
«النهضة» هي مطالبة اذن بتحقيق نتيجة في علاقة بالشراكة مع الشاهد وهي مدعوة الى بذل عناية في علاقة بالرئيس وباتحاد الشغل وهي بذلك اختارت الشريك وتسعى لتحييد غير الشركاء ..
اننا نفهم أن «النهضة» تسعى لتأبيد حكمها وهي تمارس وتتصرف وفق قواعد براغماتية على التماس مع الانتهازية ولكنها لا تدرك طبيعة الأرض التي تتحرك عليها، فجغرافيا تونس هي جغرافيا معقدة أيما تعقيد .. وفي المقابل نعجب نحن لموقف رئيس الدولة وهو الذي خبر التاريخ وخبر الجغرافيا كيف انساق وراء شيخ «النهضة» ونخاله ما زال يعلق عليه امالا ..
الاسلام السياسي سيدي الرئيس شيمته المصلحة ولا صديق له على المدى المتوسط والبعيد ولا علاقة له بالسياسة كما خبرتها عن السياسيين والزعماء الأوائل .. وفي العائلات السياسية مسألة الأصول مهمة .. وما بالطبع لا يتغيّر !